ابو القاسم عبد الكريم القشيري

386

شرح الأسماء الحسنى

وكما يهديهم إلى نفسه بحسن التعريف يهديهم إلى محاسن الأخلاق ومعالى الأمور بحسن التشريف ، قال اللّه سبحانه : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 1 » يكرم قوما لما يلهمهم من جميل الأخلاق ، ويصرف قلوبهم إلى ابتغاء ما فيه رضاه ، ويهديهم إلى استصغار قدر الدنيا واستحقار كرائمها حتى لا يسترقهم ذل الأطماع ولا تستعبدهم أخطار المستحقرات ، فلا يتدنسون بالركوع إلى كل خسيسة ، ولا يتلبسون بتعاطى كل نعمة وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » وحكايات الأسخياء في ذات اللّه أعلى منهم رتبة . يحكى عن قيس بن سعد بن عبادة أنه مرض وقتا فلم يجد في عواده كثرة ، فسأل عن ذلك فقالوا له : إنهم يستحيون عن عيادتك لأن لك عليهم ديونا ، فقال : لا خير في مال يحول بيننا وبين إخواننا ، نادوا في البلد أنه من كان لي عليه شيء فقد وهبناه ، فلما أصبح كسرت عتبة بابه من كثرة عواده . وقيل : كان يبنه وبين رجل عداوة فأراد ذلك الرجل أن يماكره ، فمضى إلى الناس فقال : إن قيسا يدعوكم ، فحضر بابه خلق كثير ، فقال : ما بال الناس ، فقيل له : إنك دعوتهم ، ولم يكن عنده في الوقت مال حاضر ، وكان له على الناس ديون ، فأخرج الصكوك على الناس بعشرين ألف دينار ففرقها على من حضر منهم وقال : إذا خرج العطاء فخذوا هذا من الناس واعذرونى ، إذ ليس في يدي ما أبركم بالنقد . وأن الهداية إلى حسن الخلق باب الهداية إلى اعتقاد الحق ، لأن الدين شيئان : صدق مع الحق ، وخلق مع الخلق ، ثم منازل الناس في الخلق

--> ( 1 ) الشمس : 7 ، 8 . ( 2 ) الحشر : 9 .